بدأت القصة بعد ان فضت المظاهرة التي شهدها حي الميدان في العاصمة دمشق في ظهيرة جمعة سقوط الشرعية بتاريخ 24-6-2011 حيث كنت عائداً إلى منزلي فلم أجد نفسي إلا ملقاً على الارض والعصي والهروات تنهال علي من كل صوب من قبل الشبيحة وعناصر حفظ النظام ، إضافة إلى الشتائم في العرض والشرف.
عندها سمعت صوتاً من بينهم يقول: لا تضربوه أمام الناس .. أدخلوه إلى القسم. فبدؤوا يجرونني إلى قسم شرطة الميدان الذي كان يبعد عن المكان حوالي الـ 200 متر. وعندما وصلت هناك، ألقوني على الأرض، وبدأ أكثر من 10 رجال من الشبيحة والأمن بضربي بالعصي والهروات وكابلات الكهرباء ، ثم شتمي ووضع أقدامهم على رأسي ، وتوجيه الشتائم .. وكل ذلك قبل توجيه أي سؤال لي.
تدخل رئيس القسم وطلب منهم التوقف عن الضرب فلم يلقَ استجابة منهم.
وبعد نصف ساعة تقريباً من هذه الحال ركبنا في سيارة أجهل نوعها أنا وأحد المعتقلين من اخواننا الدروز، والذي كان متواجداً صدفةً في تلك المنطقة ، ونقلونا ونحن مكبلي الأيدي إلى مكان عرفته لاحقاً. وأثناء الرحلة الشاقة في تلك المركبة الملعونة كانت الشتائم تنهال علي دون صديقي الدرزي ، الذي تعرفت عليه لاحقاً ، وكانو يسخرون من شهاداتي العلمية ويضربوني. ثم قام أحدهم وأنزلني أرضاً وقال لرفاقه: انظروا كيف سأدوس على رأسه .. وفعلها وهو يضحك مع رفاقه وكأنهم حرروا القدس بفعلتهم!!
ثم وصلنا إلى مستقرنا فرع الأمن الجنائي في منطقة باب مصلى. طبعاً كنت أجهل المكان الذي أنا فيه لأنهم لم يدعوني أرى حولي. وكانوا يضربوني بالعصي على رأسي كلما رفعته محاولاً النظر حولي. فأنزلوني إلى قبو ذلك المكان ، وبدؤوا يدخلونني في سراديب وأزقة تحت الأرض. وكان كل عنصر يراني هناك يأخذ نصيبه بضربي وشتمي ووصفي بالإسرائيلي والعميل لأمريكا.
ثم أوقفوني على حائط لمدة أربع ساعات. وخلال هذه الساعات لم أستطع عد الصفعات والشتائم التي تلقيتها من عناصر الفرع.
ثم بدأ التحقيق معي ومع صديقي البديوي- الدرزي- وكانت تهمتي رش المياه على المتظاهرين وتهمة صديقي التصوير. وبعد نهاية التحقيق أدخلونا إلى زنزانات مظلمة ، مع القتلة والسارقين ومتعاطي المخدرات. كل واحد منا في زنزانة.
وكانت حالة الزنزانات يرثى لها، فالحشرات والصراصير تملأ المكان، ولا يوجد فيها من الضوء الا القليل الذي يصل من الممرات البعيدة. أما صوت شفاطات الهواء فكان يملأ المكان بالضجيج. أما الصابون فهو اختراع يستحيل الحصول عليه.
كانت الزنزانة صغيرة جداً ، وتحوي على ما يقل عن الـ 25 شخصاً. تزداد أعدادهم أحياناً ، وتقل أحياناً أخرى. منهم المتظاهرين ، ومنهم المجرمين. لكن الأغلب كان من المتظاهرين. استقبلني هناك شخص من المتظاهرين يدعى أبو محمود، يعمل حلاقاً ، و يبلغ من العمر الأربعين. سألني عن حالي فقلت له أنني بخير، فأعطاني بطانيته كي أستلقي عليها،
وطلب مني نزع قميصي. وعندما نزعته، بدأ الجميع بالصراخ ، ومنهم من أدار وجهه ، ومنهم من بدأ بالتكبير. فسألتهم عن السبب ، فقالو لي بأن ظهري أزرق اللون. فقلت لهم بأن الألم بسيط ، ثم استلقيت على الأرض وغفوت قليلا.
وبعد ساعة تقريباً ، استيقظت وبدأت بالصراخ من شدة الألم الذي بدأ يظهر في كل مكان من جسدي. فقام أبو محمود بنزع قميصي الداخلي عني ، وبدأ يصنع الكمادات الباردة ، ويضعها على ظهري وقدمي. لم أستطع النوم من شدة الألم. وعندما طلبت من السجان الدواء المسكن بدأ بالسخرية مني ومن طلبي الغريب.
استمريت يومين مستلقياً على الأرض لا أستطيع الحراك من شدة الألم في مفاصلي وظهري وقدماي. ثم تحسنت حالتي قليلاً.
بقيت في فرع الأمن الجنائي بباب مصلى 5 أيام شاهدت فيهم العجب من السجانين والمتظاهرين، وقابلت أشخاصاً كثر، ولكل واحد منهم قصة.
أبو أيمن:
في اليوم الثاني دخل علينا رجل في نهاية الخمسينات من العمر يدعى أبو أيمن. وهو مساعد أول في قيادة شرطة محافظة دمشق، كان قد شارك في مظاهرة يوم الجمعة بمنطقة دف الشوك في دمشق. وكانت يده مكسورة ، إضافة إلى ضلعين في صدره. نقلوه إلينا من زنزانة أخرى بسبب صراخه العالي من الألم، إذ أنه لم يتلق أي نوع من أنواع العلاج ، ولا حتى الدواء المسكن. وكان أيضا لا يستطيع الحراك. وعندما قام أحدهم وصنع له ضماداً ليده المكسورة من ملابسه، جاء السجان وأخذ ذلك الضماد. وظل أبو أيمن على حالته أسبوعاً كاملاً ، مع أنه يعمل في سلك الشرطة ، وهو زميل لهم، ولكن لم يقيمو لذلك أي اعتبار.
عماد الحراكي:
وبعد يومين دخل علينا شاب عمره 28 سنة، جاء من فرع المخابرات الجوية ، بعد أن اعتقل فيه لمدة 32 يوماً. وكان فكه مكسورأً . خرج في اليوم الثاني ، ولا أعرف إلى اين!
محمد الحسين:
هو في السابعة عشر من العمر. اعتقلوه من الشارع بعد عودته من درس خصوصي لأن لديه امتحاناً للثانوية العامة، ووجهوا إليه تهمة التظاهر، ووصفوه بالعرعوري الصغير بسبب لحيته. وكان قد طعن بسكين في رأسه وأعلى فخذه من قبل الشبيحة داخل قسم القدم الذي ألقي القبض عليه.
وقصصاً أخرى تتشابه كثيراً مع سابقاتها…..
أما السجانين فكانت معاملتهم لنا من أسوأ ما يكون. وأذكر أنه كان هناك براداً للمياه خارج الزنزانة ، كتب عليه تقدمة جمعية رعاية السجناء وأسرهم، حيث كان السجناء يطلبون من سجانيهم الذين يمرون بقربنا أن يملؤوا لنا بعض المياه من البراد، وفي أحد الأيام طلبت من أحدهم ملأ الوعاء ، فقال لي أنت متظاهر ، ولا يحق لك أن تطلب مني شيئاً. فطلبت من أحد السجناء الذين كانوا معنا أن يطلب من السجان ملأ الوعاء، وقلت له إن سألك عن تهمتك فقل له بأنك سارق. وبالفعل قام ذلك الشاب وطلب من السجان ملأ الوعاء، فسأله السجان ماهي تهمتك؟ فقال الشاب: السرقة سيدي. وعلى الفور أخذ السجان الوعاء وملأه ، وقال للشاب – تكرم عينك- !!
وبعد خمسة أيام من إيقافي في فرع باب مصلى ، أخذنا (أنا و اثنا عشر شخص) إلى فرع الأمن السياسي مكبلين بسلاسل وأصفاد معدنية. عندها التقيت صديقي الدرزي من جديد،
- فسألته عن حاله ، فقال أنه بخير.
- سألته هل ضربوك كما ضربوني في السيارة عند قدومنا إلى هنا؟
- فهز رأسه بالنفي وقال: لا وأنا مستغرب لماذا ضربوك أنت كل هذا الضرب؟؟
- فقلت له هل رأيت الطائفية التي يتهمنا النظام بأننا ندعوا لها؟؟؟
- فهز رأسه قائلا: اقسم انني سأفضح هذا النظام البائس امام اقربائي واصدقائي عند خروجي..
وعندما وصلنا فرع الأمن السياسي ،بدؤوا التحقيق معنا هناك. وبعد نهاية التحقيق، جاء أحد الضباط وذكر ثمانية أسماء، وأخذهم خارج الفرع . وأعتقد أنه أخذهم إلى القضاء. أما أنا وثلاثة خرين فأنزلونا الى قبو ذلك الفرع.
وهناك استقبلنا عناصر الأمن بالصفعات والشتائم ، وطلبوا مني نزع ملابسي فنزعتها وبقيت بملابسي الداخلية. ثم جاء أحد العناصر وعاود ضربي، وقال انزع ملابسك كما ولدتك أمك !!! ولم يكن بإمكاني فعل شيئ سوى تنفيذ الامر!!
وبعدها طلب مني ارتداء ملابسي ، واصطحبني إلى زنزانة انفرادية صغيرة الحجم لا يدخل إليها الضوء، وأعطاني 3 بطانيات ، وأدخلني وأغلق الباب. ومكثت فيها يومين لا أكلم أحدًا سوى الضابط الذي طلب رؤيتي مرتين خلال اليومين. وبعد اليومين أخرجوني إلى زنزانة جماعية كانت حالتها أفضل قليلاً من زنزانة فرع باب مصلى. ففيها الضوء وفيها الصابون، إضافة إلى أنها غير مزدحمة على الاطلاق، وكان يأتي عنصر كل صباح، ويسألنا إن كان أحدنا يريد رؤية الطبيب.
بعد يومين من وجودي هناك، أصبت بالانفلونزا إضافة إلى حساسية في عيوني. فطلبت رؤية الطبيب .
لم يجرؤ الطبيب على النظر في وجهي ، وكان يسألني عن حالتي وهو يدير ظهره لي. ووصف لي الدواء الذي لم يصلني منه سوى القليل، وانقطع عني بعد يومين. علماً أن حالتي لم تتحسن، بل ازدادت سوءاً بسبب عدم انتظام مواعيد الدواء، وانقطاعه فجأة.
في تلك الزنزانة التقيت الكثير من الأشخاص. منهم المتظاهر، ومنهم من كان يحاول شراء العملات الاجنبية من مراكز الصرافة، أو من السوق السوداء. وأذكر شخصاً يعمل طبيب تخدير في الأربعينيات من العمر، قال أنه اعتقل لأنه دخل أحد البنوك وسألهم عن سعر صرف اليورو، وعندما هم بالخروج كانت سيارة الاعتقال بانتظاره.
ورجل آخر كان يحاول شراء 200 دولار لإعطائهم للخادمة الفلبينية. وشاب كان يحاول بيع 800 دولار في السوق السوداء ، بعد أن رفض البنك المركزي شراء المبلغ منه … وقصص أخرى متشابهة.
أما المتظاهرين المعتقلين هناك فلا تختلف أحوالهم عن حالي، أو أحوال المعتقلين في فرع الأمن الجنائي باب مصلى، إلا أن بعضهم قال أنه بقي في الحبس الاتفرادي لمدة 8 أيام، وآخر قال أنه بقي 11 يوماً.
بقيت في فرع الأمن السياسي لمدة 14 يوماً. لم يكن هناك تعذيب جسدي، بل كانت الشتائم والتعذيب النفسي من قبل العناصر كافيةً. إذ أن معظمهم كان يرفض اطلاعنا حتى على الوقت كي لا نصلي. ويهزء منا. وكان بعضهم يطلبون منا الوقوف عندما يفتحون باب الزنزانة. ولا أنكر أنه كان يوجد القليل منهم يعاملونا معاملة جيدة. وأذكر أحد العناصر، واسمه عزيز، كان كلما يلقاني يقول لي كيف حالك يا مواطن، وكيف حالك يا مهندسنا العظيم، ويسألني إن كان أحدهم قد أزعجني بمعاملاته لي.
إضافة إلى الضابط المحقق عندما شكوته بأن الزنزانة أصبحت مزدحمة، فقام بنقل بعض الموقوفين إلى زنزانة أخرى. وعندما شكوت له أحد العناصر الذي رفض تقديم الدواء إلى شخص كان معي في الزنزانة، قام باستدعاءه وتوبيخه على فعلته.
ولكن طوال هذه المدة كان كل شخص ، من عناصر أو ضباط ، يرفض الاتصال بعائلتي وإخبارهم أنني على قيد الحياة على الأقل. كما أنهم هزؤوا مني عندما طلبت إدخال الصحف الرسمية إلينا، وقالوا لي بأنني معتقل هنا ولست سجيناً، وهذا يعني بأن ليس لي حقوق أطالب بها.
وبعد انقضاء اليوم الرابع عشر، استدعاني المحقق وسألني إن كنت أنوي التظاهر مجدداً، فأجبته بلا. وأخبرني أنني سأعود لفرع باب مصلى الذي سيحولني بدوره الى القضاء. وبالفعل جاءت أحد الدوريات واصطحبتني أنا وشخص آخر يدعى عمار، إلى فرع باب مصلى بتاريخ 12 7-2011 . وهناك التقيت بأشخاص جدد معظمهم من المتظاهرين منهم:
أبو منير: رجل في الستينيات من العمر، من حي القدم بدمشق. وهو قمة في الأخلاق والنبل والطيبة. متهم بقتل ضابط برتبة مقدم في حي القدم. إضافة إلى وسيم ، الذي يعمل حلاقاً في منطقة الميدان، وعلاء الذي يعمل محامي، وعبد الله وعبد القادر وآخرين، كلهم من المثقفين. حيث استقبلونا أنا وصديقي عمار، وقدموا لنا الطعام. ومعظمهم من حي القدم. منهم من ألقي القبض عليه في المظاهرات، ومنهم من كتبت فيهم التقارير من أعوان النظام.
وفي مساء اليوم التالي جاء أحد العناصر، وأخبرني أنني سوف أحول في الغد إلى القضاء مع بعض الموقفين. ففرحنا عندها لأن الفرج أصبح قريباً جداً. وعندما استلقينا محاولين النوم، سمعنا النشيد الوطني السوري ينشد من بعيد. فحاولنا الاصغاء، وإذ بالنشيد ينشد من قبل فتيات! فاستغربنا ذلك وبقينا منتظرين. عندها أخبرنا أحدهم بأن هناك حوالي الستون شخصاً -عشرون منهم من الفتيات- قد اعتقلوا اليوم في حي الميدان بمظاهرة للمثقفين. وأن الفتيات هم من ينشدون النشيد الوطني، وأن هناك 40 شاب معهم حالتهم يرثى لها، فمنهم من ينزف الدماء، ومنهم من كسرت يده، ومنهم المصاب بعينه. فهممنا جميعا بالصلاة والدعاء لهم. ثم استسلمنا للنوم .
وفي حوالي الساعة الرابعة صباحاً ، دخل علينا حوالي العشرة من أولئك الشباب. كان منهم رامي العاشق والتوأم ملص، وآخرين من المثقفين ممن اعتقلهم الأمن مساء يوم الاربعاء 13-7-2011 ، بعد مشاركتهم في تظاهرة للمثقفين. لم استطع التحدث إليهم كثيراً لأنهم كانوا في حالة يرثى لها، فقد كانو متعبين جداً، إضافة إلى جراحهم. أفسحنا لهم مكاناً ليناموا.
أما أنا، فخرجت في صبيحة اليوم الثاني في الساعة الثامنة صباحاً إلى القصر العدلي، الذي أخلى سبيلي، وعدت لأرى الشمس من جديد بتاريخ 14-7-2011 ، وإن كانت هناك جلسة أخرى للحكم بتاريخ 31-7-2011
وأختم مقالتي بالدموع والأسى والدعاء بالحرية ، لكل الأسرى في سجون النظام.
المصدر: http://t.co/eTp3Rv5